الهاون من أقدم أدوات المطبخ وما زال في مكانه، لأن المطحنة الكهربائية لا تؤدي عمله. الشفرة تقطّع البهار وتنثره، أما الهاون فيسحق الحبة حتى ينفتح قشرها ويخرج زيتها. الفرق يظهر في القِدر نفسه.
الهاون غير الجرن
الهاون يسع في راحة اليد، وقطره غالبًا بين 9 و16 سنتيمترًا، ويكفي للبهار والثوم. أما الجرن العميق، ويُسمّى في الأناضول دِبَك، فأضيق فوهةً وأثخن جدارًا وأثقل بكثير، وقد صُنع لدقّ حبّ القهوة والجوز والقمح مدة طويلة. في الجرن ينزل المدقّ عموديًا من أعلى، وفي الهاون تسحق غالبًا بحركة دائرية. وإذا أردت إناءً واحدًا للعملين فلا تنزل عن 16 سنتيمترًا.
لماذا الثقل ميزة
الهاون النحاسي ثقيل، وهذه هي الفائدة لا العيب. جسم بقطر 18 سنتيمترًا يتجاوز مع مدقّه كيلوغرامين. هذا الوزن يؤدي أمرين: الإناء لا ينزلق على الطاولة فتبقى يدك الثانية حرّة، والجسم يمتصّ ضربة المدقّ فلا يصل الصوت ولا الارتجاج إلى معصمك. ومن جرّب دقّ الفلفل في وعاء رقيق من الفولاذ أو الألمنيوم الخفيف يعرف البقية: الوعاء يتنقّل وتقفز نصف الحبّات إلى الخارج.
أي مقاس تختار
- 9 إلى 12 سم: الفلفل الأسود والكمّون والكزبرة والهيل. عمل البهارات اليومي ينتهي عند هذا المقاس، وكمية قِدر واحدة تدور فيه بأريحية.
- 14 إلى 16 سم: الثوم والملح والزنجبيل الطازج والجوز وخلطات الصلصة. وحبّ القهوة يُدقّ في هذا المقاس أيضًا.
- 18 إلى 20 سم فأكثر: المكسّرات وقهوة الدقّ والقمح وخلطات الشتاء. من هذا الحجم فصاعدًا يبقى الهاون على الطاولة ولا يُرفع إلى الخزانة.
وانظر إلى العمق كما تنظر إلى القطر. في إناء واسع لكنه ضحل تقفز الحبّات مع أول ضربة؛ ينبغي أن يكون الارتفاع الداخلي نصف القطر على الأقل.
نصف العمل في المدقّ
بمدقّ وزنه 300 غرام تدقّ الفلفل بقوة ذراعك. أما المدقّ الذي يزن 600 غرام فينزل بثقله وأنت توجّهه فقط، فيصير عمل عشر دقائق ثلاثًا. ويجب أن يكون رأس المدقّ مستديرًا وملامسًا لقاع الإناء؛ فإن بقيت فجوة بينهما تسلّلت الحبّات إليها ولن تنسحق مهما ضربت.
الداخل يجب أن يكون مقصدرًا
أكثر ما يدخل الهاون إمّا حامضي وإمّا دهني: ثوم وقشر ليمون وسمّاق ودبس رمان. حتى زيوت البهارات نفسها تكتسب طعمًا معدنيًا مع طول ملامستها للنحاس العاري. فليكن السطح الملامس للطعام مقصدرًا، واسأل عن ذلك صراحة، فكثير من الهاونات تُباع على أنها زينة ثم تنتهي في المطبخ بلا بطانة.
أول استعمال والرائحة
اغسل الهاون الجديد بماء فاتر وصابون وجفّفه. ثم ضع فيه حفنة أرز ودقّها حتى تصير طحينًا وارمِها؛ الأرز يجمع الغبار الناعم والزيت الباقي من التلميع. وإذا خرج الطحين أبيض فالإناء نظيف.
المسألة الحقيقية هي الرائحة. سائل الجلي لا يزيل رائحة الثوم، لأنها تسكن في الزيت المتبقّي لا في المعدن. ضع ملعقة صغيرة من ملح الصخر وحرّكه بالمدقّ دقيقتين، ثم أفرغه وامسح بقطعة قماش رطبة. وبعد عمل شديد الرائحة كرّر الأمر بحفنة أرز. ولا تضع الهاون في غسالة الصحون ولا تتركه منقوعًا في الماء.
الدقّ والطحن
شفرة المطحنة تدور آلاف الدورات في الدقيقة، والاحتكاك يولّد حرارة. الكمّون يبلغ ستين درجة خلال ثلاثين ثانية، والزيت الطيّار الذي يحمل الرائحة يتبخّر عند تلك الحرارة؛ فحين يصل إلى البرطمان يكون نصف عبيره قد ذهب. أما في الهاون فالضربة لحظية ولا تتولّد حرارة، فيخرج الزيت من الحبّة ويبقى في الخلطة.
على هذا الأساس افصل بينهما: الهيل والفلفل والكمّون والكزبرة والحلبة والثوم والزنجبيل الطازج والزعفران تُدقّ في الهاون. أما عيدان القرفة وجوزة الطيب والفلفل المجفّف والكركم الجاف فقاسية ليفية، والمطحنة أنسب لها. دُقّ ما ستضيفه في آخر خمس دقائق من الطبخ، واترك تعبئة برطمان كامل للآلة.











